عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي

197

الإنسان الكامل في معرفة الأواخر والأوائل

التي لا يقدر عليها المخلوق أبدا إلّا عن قدرة إلهية كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص وفلق البحر وأمثال ذلك ، فما منع من امتنع عن الانقياد للرسل إلا الدسائس ؛ فمنهم من قال : أخشى أن تعايرني العرب باستسلامي لأصغر مني ؛ ومنهم من قال : حرّقوه وانصروا آلهتكم « 1 » ؛ ومنهم من قال : أتريد أن نترك ما كان يعبد آباؤنا موافقة لما هو عندهم ، فما منهم إلا من منعه دسيسة نفسانية ، وإلا فالإخبارات الإلهية كانت موافقة لما هو عندهم ، كما قال تعالى : فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ « 2 » وكلّ هذا سرّ التباس الأمر على النفس بدسيسة الأكل ، بل سرّ ما اقتضاه الأمر الإلهي والشأن الذاتي . [ فصل ] : اعلم أن اللّه تعالى لما خلق النفس المحمدية من ذاته ، وذات الحق جامعة للضدين ، خلق الملائكة العالين من حيث صفات الجمال والنور والهدى من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم كما سبق بيانه ، وخلق إبليس وأتباعه من حيث صفات الجلال والظلمة والضلال من نفس محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وكان اسمه عزازيل ، قد عبد اللّه تعالى قبل أن يخلق الخلق بكذا كذا ألف سنة ، وكان الحق قد قال له : يا عزازيل لا تعبد غيري ، فلما خلق اللّه آدم عليه السلام وأمر الملائكة بالسجود له ، التبس الأمر على إبليس ، فظن أنه لو سجد لآدم كان عابدا لغير اللّه ، ولم يعلم أن من سجد بأمر فقد سجد للّه ، فلهذا امتنع ، وما سمي إبليس إلا لنكتة هذا التلبيس الذي وقع فيه فافهم ، وإلا فاسمه قبل ذلك عزازيل وكنيته أبو مرّة . فلما قال له الحق تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ « 3 » والعالون هم الملائكة المخلوقون من النور الإلهي كالملك المسمى بالنون وأمثاله ، وباقي الملائكة مخلوقون من العناصر ، وهم المأمورون بالسجود لآدم ، فقال : أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ « 4 » وهذا الجواب يدل على أن إبليس من أعلم الخلق بآداب الحضرة وأعرفهم بالسؤال وما يقتضيه من الجواب ، لأن الحق لم يسأله عن سبب المانع ، ولو كان كذلك لكان صيغة : لما امتنعت أن تسجد لما خلقت بيدي ، ولكن سأله عن ماهية المانع ، فتكلم

--> ( 1 ) آية ( 68 ) سورة الأنبياء . ( 2 ) آية ( 33 ) سورة الأنعام . ( 3 ) آية ( 75 ) سورة ( ص ) . ( 4 ) آية ( 76 ) سورة ( ص ) .